الدقائـق الغاليـة - محمد أحمد الراشد
الاثنين, 20 أبريل 2015 11:54

سجود المحراب، واستغفار الأسحار، ودموع المناجاة: سيماء يحتكرها المؤمنون 

ولئن توهم الدنيوي جنانه في الدينار، والنساء، والقصر المنيف، فإن:

•جنة المؤمن في محرابه

ولقد منّ الله على الناس بكثير من المباح الحلال يفند الرهبانية، ولكن المؤمن له لذة كلما توجه إلى ربه، وصفاء روح، تتضاءل بجانبها لذة المباح، فيهجر الكثير منه حذر من كدر يعكر الصفاء الذي هو فيه.

جرب ذلك المؤمنون ذلك قديماً، زمن العيش البسيط، وعاشر السهر وردي شلة منهم، فوصفهم، وخرج بنتيجة، فقال :

( الذائقون حلاوة المناجاة لابد أن يجدوا صفو الأنس في الصلاة، ويتكدرون بيسير من الاسترسال في المباح

وجربه المؤمنون اليوم، زمن المدينة المعقدة، وأنابوا صالحا منهم يصف ما يجد كل منهم، ويقول :

هاتنـي سجادتي فهي صفائي وسـروري

وهي شوقي ودثاري وهي نبراس الطهـور

ثم دعني في صـلاتي في مناجاة القديـر

فهي صفاؤه، وسروره، وشوقه .

بل إن الصلاة في يوم هذه المدينة لأظهر في إضفائها السرور، فبينما يطيل التعقيد

على الإنسان حياته الحاضرى، فيسأم، ويمل، ويضجر، تختصرها الصلاة إلى بضع ساعات فحسب، فتعيش في اطمئنان، وراحة بال، ولئن كان لنظرية آنشتاين في نسبية الوقت نصيب الصحة ، فأن فيالصلاة هذا النصيب، كما يشرحه مصطفى صادق الرافعي ويقول : ( يا لها من حكمة أن فرض الله علينا هذا الصلوات بين ساعات وساعات، لتبقى الروح ابدأ أما متصلة أو مهيأة لتتصل، ولن يعجز أضعف الناس مع روح الدين أن يملك نفسه أنه متوجه بعدها إلى ربه، فخاف أن يقف بين يديه مخطئا أو آثما، ثم هو إذا ملك نفسه إلى هذه الفريضة ذكر أن بعدها الفريضة الأخرى، وأنها بضع ساعات كذلك، فلا يزال من عزيمة النفس وطهارتها في عمر على صيغة واحدة لا يتبدل ولا يتغير، كأنه بجملته ـ مهما طال ـ عمل بضع ساعات

هو طويل جداً، مخيف مظلم للجاهلي . وهو قصير، هين منير للمصلي .وحية الجاهلي ركود مستمر.وحياة المصلي حركة، تزيد صوابا، أو تستدرك اعوجاجا.

وأنها  الله أكبر تنهي هذا الركود، وتؤسس الحركة . الله اكبر .

بين ساعات وساعات من اليوم ترسل الحياة في هذه الكلمة نداءها تهتف:

أيها المؤمن: إن كنت أصبت في الساعات التي مضت، فأجتهد للساعات التي تتلو. وأن كنت أخطأت فكفر، وامح ساعة بساعة .

وأظهر حركة يولدها التكبير: حركة التمييز والفرقان، بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان .فأنك أن قلت : ( أهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين.) استشعرت في كل ركعة من هذه الأصناف الثلاثة، وتختص كل ركعة لمن ظهر منهم في زمن واحد، أو بلد واحد، فتجول في ركعات يومك بلاد الإسلام أجمع .

ففي ركعة تذكر النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الأطهار رضي الله عنهم مثلا لمن أنعم الله عليهم ولا الضالين .

وفي ركعة أخرى تذكر هودا وصالحا مثلا ممن أنعم الله عليهم، عليهم السلام، وعادا وثمود من الهالكين

وفي ركعة أخرى تذكر الحسن البصري وابن سيرين وابن المسيب ممن أنعم الله عليهم، وأهل الردة، والجهم بن صفوان، والجعد بن درهم من المتخبطين.

وفي ركعة أخرى تذكر الإمام احمد بن حنبل ورهطه من المحدثين الموفقين، وبشرا المريسي وابن داود من الظالمين .

وفي أخرى تذكر ابن تيمية وابن القيم وابن الجوزي من المصلحين، وأصحاب وحدة الوجود والفناء الموهوم والشطح والابتداع من المدلسين .

وفي أخرى تذكر الإمام البنا وعودة وسيد، وثباتهم أمام الطغاة المتجبرين .

وفي أخرى تذكر حركة النور، وحزب ماشومي، وضلال أتاتورك وسكارنو من الكاذبين .

وبذلك تعقل صلاتك، والمرء ليس له من صلاته إلا ما عقل منها ن وتجدد عهدك مع أجيال المؤمنين، وتنبذ المفسدين، وتلك هي حركة الإيمان، فإن الإيمان الحق ما أخذ منك الولاء، وتركك على المفاصلة .

•رجال مدرسة الليل

ولكن تمام التذكر يكون مع الهدوء والسكون . فمن ثم كانت مدرسة الليل . وكان ترغيب الله للمؤمنين أن يجددوا سمت الذين ( كانوا قليل من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون.) وإذا انتصف الليل، في القرون الأولى كانت أصوات المؤذنين ترتفع تنادي :

يا رجال الليل جدوا رب صوت لا يـرد

ما يقوم الليـل إلا من له عـزم وجـد

وإنها حقاً لمدرسة، فيها وحدها يستطيع رجالها أن يزكوا شعلة حماسهم، وينشروا النور في الأرجاء التي لفتها ظلمات الجاهلية .

وإنها لتجربة إقبال يوجزها فيقول :

نائح والليل ساجع سادل يهجع الناس ودمعي هاطل

تصطلي روحي بحزن وألم ورد يا قيوم أنسي في الظلم

أنا كالشمع دموعي غسلي في ظلام الليل أذكي شعلي

محفل الناس بنوري يشرق انتشر النور ونفسي أحرق

وإن دعوة الإسلام اليوم لا تعتلي حتى يذكي دعاتها شعلهم بليل، ولا تشرق أنوارها فتبدد ظلمات جاهلية القرن العشرين ما لم تهل بـ ( يا قيوم

ما نقول هذا أول مرة، وإنما هي وصية الإمام البنا حين يخاطب الدعاة فقال: (دقائق الليل غالية، فلا ترخصوها بالغفلة .

أفعيينا أن نعيد السمت الأول، أم غرنا اجتهاد في التساهل والتسيب والكسل جديد؟ أن القول عند الله لا يبدل، ولكن أرخصنا الدقائق الغالية بالغفلة، فثقل المغرم، ولم يجعل الله لنا من أمرنا يسرا .

أن انتصار الدعوة لا يكمن في كثرة الرق المنشور، بل برجعة نصوح إلى العرفالأول.

 

تلاوات خاشعة

تابعوانا


Face FanBox or LikeBox

بحث