مقالات
تأملات: في العادات والسلوك..
السبت, 25 مايو 2013 16:28

أهلا وسهلا..

ربما ليس من عادتك أن تقرأ مثل هذه الكتابات، لكنك تجد نفسك الآن وقد بدأت في قراءة هذه السطور.. هذا التصرف كأي تصرف آخر قد لا تتذكر المرة الأولى التي تمارسه فيها، لكنك تجد نفسك تميل إلى تكراره بين الحين والآخر.. وتكرار أي تصرف يجعلك تحوله إلى عادة في حياتك، مما يجعلك أمام مسؤولية كبرى في اختيار التصرفات التي ستتحول إلى سلوك وطباع وعادات تعيش بها في حياتك.. ومع ما للتفكير والتكرار من دور في تأسيس العادات الخاصة بك، فإن بعض العادات قد لا تنبع من تصرفاتك الشخصية، فمن خلال تجربتك ومشاهدتك وتركيزك على الحياة من حولك، ستجد بعض التصرفات مرشحة بشكل رئيسي إذا تعرضتَ لمواقف مشابهة لدواعي تلك التصرفات في ذاكرتك الاجتماعية.. كما قد تتسبب مطالعتك ودراستك واطلاعك على بيئات أخرى في رسم سلوكياتك وأخلاقك داخل المجتمع، إضافة إلى معتقداتك وهويتك ومبادئك التي تتجذر تدريجيا لتتدخل في توجيه العادات وتقويم السلوك.. وفي حياتك اليومية قد تجد بعض التداخل بين اتباع العادات التي تمليها البيئة والمحيط بفعل التجربة والقرب، وبين اتباع سلوك تعتقد أنه الصواب بناء على مبادئك ومعتقداتك..

أنت أولا..

سلوكك كفرد يعبر في الغالب عن ثقافتك وقناعاتك، وهو صورة لتعاملك مع المجتمع وفق مبادئك الحقيقية.. لذا من المهم أن تراجع وتقوّم سلوكك في كل فترة.. يمكنك أحيانا أن تطرح على نفسك أسئلة مثل: هل سلوكك يعبر عنك؟ هل يوصلك إلى ما أردت منه؟ هل يبني صورة ذهنية متوافقة داخليا وخارجيا؟ فكر في الأمر.. قد يكون الجواب إيجابيا الآن، وقد يكون في طريقه إلى الإيجابية.. المهم أن تملك إجابات تمكنك من مراقبة نفسك وأدائك في هذه الحياة.. أحيانا يتراجع السلوك ويفقد تأثيره حينما يعتمد في أساسه على البيئة المحيطة، مما يجعله متخما بالمجاملات والسير بلا غاية.. بينما يفترض أن السلوك كأخلاق وآداب وتعاملات منوعة ينبغي أن يعتمد بشكل أساسي على المبادئ والهوية الحقيقية للفرد، إضافة لمعتقداته وقيمه التي تلعب دورا أساسيا في ترسيخ الأخلاق والمهارات.... ثم العادات.. أيضا لا يهم كثيرا ما يقوله عنك الناس! أنت وحدك من تعرف نفسك وذاتك وضميرك، أحد أنجح الأمور في معرفة ذلك بصدق: أن تراقب تصرفاتك وأنت بعيد عن المجتمع، تصرفاتك في وحدتك وخلوتك، تصرفاتك حين تغيب عن الأنظار.. حينها تعرف نفسك بنفسك حقا إن أردت...

في المجتمع..

قد تكون من المهتمين برسم صورة رائعة لك في المجتمع.. هذا شيء جيد.. لكن هذا الاهتمام ينبغي أن يكون مجرد وسيلة للوصول إلى غاية هدفها التأثير في ركب الحياة.. صدقني.. حين تتصرف بناء على البيئة المحيطة بك ووفق ما يريده الآخرون فنادرا ما تجد من يختلف معك، لكن حين يكون سلوكك بناء على معتقداتك ومبادئك فحتما ستجد من يختلف معك، تبعا لحجم ووجود المبادئ في حياة الأفراد في كل مجتمع.. يتطلب الأمر أن تكون صريحا مع نفسك ومجتمعك.. لا تتردد أبدا.. انطلق من مبادئك وهويتك، فالبيئة المحيطة تتغير باستمرار بينما المعتقدات أمر أساسي الرسوخ والاستقرار.. ابتعد عن اللذين يتعلقون بالتصرفات المعتادة دون اهتمام بالمضمون، لا تكترث لوجودهم بكثرة في المجتمع، تمسك بما تقتنع به ولا تهتم بما دأب عليه الآخرون.. بعضهم ينادي بالحرية للعالم أجمع، ويمنع نفسه من حرية التعبير في أبسط الأمور !!. بعضهم يتوقع منك أن تضحك مع كل أطفال الدنيا، وينظر لك باستغراب حين تضاحك أبناءك.!!. بعضهم يلتهمك بنظرات الاتهام حين تسير مع خطيبتك أو زوجك، ولا يستنكر حين يراك مع أي سيدة أخرى!! بعضهم يلومك حين تتأخر دقائق عن موعد معه، ثم يرفع السماعة ليحدث آخرين أنه قريب منهم وفي الطريق!! بعضهم يحكم على محياك من سماعة في أذن لا يدري ما فيها، ولا يبالي بأي تصرف أو كلام أو بقية خير فيك.!!. بعضهم.. وبعضهم كثرة... تجد منهم تصرفات كثيرة، صارخة في المفارقة بين العادات والمبادئ، بين الجوهر والمضمون، بين الغلاف والسطور..

كن قدوة..

ليس الأصل أن تختلف العادات والمبادئ في المسلكيات الخاصة بالمجتمع، يحدث هذا حين تتجذر بعض العادات بناء على ثقافات مرحلية بنيت في غفلة من المبادئ وغياب للهوية، وحين تعجز الهوية عن تقديم بديل أو تفسير لتلك التصرفات الجزئية.. قد يبدو الأمر معقدا، فالأمور المترسخة في اللاوعي والمترسبة بتأطير المجتمع ربما تجعلك تميل للواقع، للبيئة، للاستمرار!! ثم تجد نفسك في حيرة حين تعرض الأمر على نفسك ومبادئك وسنة نبيك، إنه الاثم الذي يحيك في نفسك حين تستمتع بنداء الحال ومعطيات البيئة أحيانا.. والصراع والوحدة حين تتمسك بنداء المبادئ ووحي الهوية وشق الطريق.. إن تجاهل التحدي والسكوت على الواقع لا يساعد على تقريب الحل من الأجيال الصاعدة أو المقبلة، وتتأكد حاجة الأجيال المتلاحقة إلى رؤية واضحة للعادات والهوية، ما يجعلها في حاجة إلى قدوات سامقة تعمل على صقل عادات كثيرة في المجتمع، لتدعمها بالمبادئ وتربطها بالهوية وترسخها في المحيط، قدوات تفهم حقيقة الواقع وتلم بتفاصيل الماضي وتستشرف تحديات الغد.. بادر، كن أحد القدوات، واستمتع بأجر البدء وتجربة السبق.. وتذكر أن سلوكك هو مسؤوليتك الأولى في تغيير نفسك والتأثير بمجتمعك، وأن الواقع لا يعني صوابا مطلقا، ولا يعني الجديد خيرا دائما.. واختر بين البيئة والهوية، أو شق لنفسك طريقا يجمع بين الاثنين.. كل مرة وأنتم على الدرب، ريثما نلتقي في مقال قادم بإذن الله تعالى..

مع التحية..

المسالة التربوية عند الراشد
الثلاثاء, 14 مايو 2013 14:00

هذه المواعظ في فقه الدعوة وصفة الداعية يراد لها أن تكون زادا للعاملين ، ونزهة لهم يستريحون فيها من عناء الطريق ، ويتخذون منها الأنيس الرفيق ، فمن ثم وصفت بأنها رياض المؤمنين .ولكنها تميزت بسمة رئيسية وطابع واضح في الأمانة أدت إلى الإكثار من استلال فئة الدعاة من بين أسطر كتب التراث وبحوث المعاصرين من الدعاة وأشعارهم ، وجعل هذه الاستلالات أساساً لمحاولة اجتهادية تكميلية ، نسأل الله خلالها السلامة ، نكمل فيها نقص مباحث السابقين ، ونشرح ما أجملوه وأبهموه .  ولأن شطرا كبيرا من هذه الاستلالات يمثل أسطرا خفية منسية أرجعناها بطول التفتيش والتنقيب إلى ميدان التداول والمدارسة فإن عملنا كان كالإحياء لها.  ومن ثم فإن أصدق الأوصاف لعملنا هذا أن يوصف بأنه (إحياء فقه الدعوة) من الآن فصاعداُ . ويشاء الله أن تكون هذه المقالة حاوية لنقول موغلة في القدم ، ومن كتب بعضها نادر ، ليتضح معنى الإحياء الذي قصدناه.  عيسى عليه السلام قدوة المربين لاشك أن الداعية يجب عليه أن يحرص في التجميع على العنصر الصافي الذي رعاه الله تعالى منذ طفولته ورباه وعصمه وأبعده عن الشهوات والرعونات والفتن. ولكن نجاح العملية التربوية في التجريب الإسلامي دل على أن أكثر من يفسق تجد بذرة الإيمان كامنة فيه ، ويمكنك إصلاحه ببيان طريق التوبة له .  وبذلك كان إصلاح الفساق من قواعد الدعوة الإسلامية وأصولها ، وبات الداعية الذي ينزوي لندرة المعادن الصافية معابا .بل بذلك بات الجانب الإصلاحي في العلميات التربوية في الدعوة الإسلامية شطرا مهماً فيها من بعد شطر التربية التكميلية التي تتولى تنقية العناصر الصافية وتوعيتها وتكميل ما ينقصها من فنون العمل أو صفات الإيمان العالية .ومع أن تاريخ هذه التربية الإسلامية الإصلاحية يرتقي إلى النبوات الأولى ، إلا أن عيسى عليه السلام هو الذي شهر بها وصار قدوة المربين .فمما يتداوله أهل المواعظ : ( أن يحيى وعيسى عليهما السلام كانا يصطحبان في السياحة ، فإذا بلغا قرية أو مدينة يقول عيسى : دلوني على أفجر رجل في هذه المدينة وأطغاه.  ويقول يحيى : دلوني على أبر رجل وأتقاه . فيقول يحيى لعيسى : يا ابن خالة ، ما لك لا تنزل على الأبرار والأتقياء ؟ فيقول : إنما أنا طبيب أعالج أهل البلوى ، وأوداي المرضى). ولا نقول للداعية اليوم أن يضيع وقته وجهده في التفتيش عن أفجر الرجال وأطغاهم ليصلحهم ، فإن في الناس بقية خير واضحة بقرب وصولنا أن جعلناها ديدننا ، وطغاة الرجال وفجارهم تصلحهم رهبة الشرع فيما بعد ، ولكن نقول للداعية اليوم أنه طبيب وأن عليه أن لا ينسى مهمته هذه .  أنت طبيب أيها الداعية يراد منك أن تعالج بلوى الناس من هذا الإخلاد إلى الأرض، ومن هذه الفلسفات ، والتجزيات الباطلة ، والتردي في عبادة الدينار .  أدي واجبك وفتش عن المرضى في بقية الخير هذه . إنها طائشة مختلطة مخلطة ، لم تسلم السلامة الكاملة ، ولم تسرف على نفسها ، وفي إصلاحها وترتيبها أمل استئناف الحياة الإسلامية . لا تطل المكث عند الأتقياء من إخوانك كما كان يفعل يحيى ، وإنما يكفيك معهم مجلس يسير يديم حبك لهم واتعاظك بمظهرهم وسمتهم .  أصرف وقتك مع المرضى معالجاً ومصلحاً .ومنهم هذه الناشئة المريضة .  هناك ناشئة من ذراري المسلمين بريئة كل البراءة، ويمكن أن تتحمل رحلة العودة إلى الإسلام ، لكنها مريضة ، أمرضتها مناهج الدراسة العلمانية التي تتستر بتدريس حصص الدين ، وأمرضتها طوائف المدرسين الذين لا تحكم عملية اختيارهم قواعد صحيحة ،وأمرضتها مناهج التلفزيون ، وصور الصحف وغيرها.  وعـي القدماء لنظرية التربيـة وحين قل لنا في بعض مصادر فقه الدعوة أن نظرية التربية ترتكز على استغلال إمكانية تأثر النفس الإنسانية بالمسموع والمنظور ظننا أن ذلك مما اقتبس من أبحاث التربية الغربية الحديثة ، ولكن تنقيبنا عن فقه الدعوة الذي نحييه كشف عن وعي القدماء من علماء المسلمين ، وكما رأينا أقوال وسير الفقهاء الأوائل التي تتكون منها الأصول القديمة لنظرية المجتمع الحركي والعمل الجماعي ، فإننا نرى أيضاً القول الواضح لهم في نظرية التربية .  الزاهد الثقة أبو عثمان الحيري النيسابوري: ( فعل من حكيم في ألف رجل أنفع من موعظة ألف رجل ، وإنما هي مصادفات القلوب من حيث صفاء القلوب عندما يطرقها واردات الغيوب من المسموعات والمنظورات ، فإذا اتفقت قويت ، إذا اختلفت وضادت ضعفت ، وسقطت عنهم رؤية التمييز، فلا يتغيرون ، ولكن ربما تجد لهم أذكارهم بما يسمعون ، وتصفو لهم المشاهدات وقتا بعد وقت ، وذلك زيادة صفاء تجدد لهم عند سماع الحكمة ) وهو هنا يشرح نظرية التربية بأسلوب ذلك العصر واصطلاحاته الصوفية المبهمة ، ولكن في قوله إشارة واضحة إلى هبة ربانية يمنحها كل صادق مستقيم ، يسمعه فيها ما هو صالح ، حقيقة أو مجازا ، ليطيب بصره.  ولكن إن منح الله هذه الهبة ، فإن المربي عندنا ، في التربية الإسلامية ، يمنح الرفق بتلميذه ، ويسمعه ويريه الطيب ليطيب ، ومن تم كان الرفق أساس التربية .  لا تظهر الاسـتاذية والرفق يقود الى التدرج معهم ، وتحمل أخطائهم وعيوبهم، والمربي لا يكثر من الأوامر ومظهر الصرامة ، فإن التلميذ ينفر ، ويحس بذلك كما قال سعيد بن تركان: ( صحبت أنا وأخي علي يعقوب بن الوليد بعد صحبة الجنيد ، فما عظم في قولبنا أحد ولا تجاوز أحد الجنيد ، لأنه كان يؤدبنا تأديب شفقة ، والآخرون يؤدبونا تأديب رياضة وإظهار أستاذية.) فليس عندنا ميدان إظهار أستاذية . كلا أيها الداعية . بل أخوة وعطف ولطف وحنان . وإن النفوس حساسة فاحذر .  لا تضجر من بطء سير ، ولا تيأس من إصلاح ذي العيوب ، بل افتح لتلاميذك القلب الواسع ، وأطل لهم الصبر ، وتدرج في التهذيب.  إن المربي الذي يميل صبره بسرعة ولا يصمد أمام تسويف التلميذ لا يسمى مربيا.كذلك من ناحية أخرى ، فإن تأثيرات المسموعات الذي إشار إليه أبو عثمان الحيري يوجب على المربي أن يحسب لكلماته التي ينطقها أكثر من حساب ، وأن يضمن تأثيرها على من يسمعها ، فإن رجح أنه التأثير الحسن أمضاها ،وإن خاف التأثير السيء توقف وتهيب ، ثم يزيد حسن كلامه بحسن منظر أفعاله وتصرفاته.  إن الكثير من الدعاة وإن كانت مستوياتهم حسنة ومعادنهم قوية ، فإنهم في أثناء غفلة من أنفسهم ، أو في حالات الإرهاق الذهني والبدني ، يلينون فيتأثرون بما هو ضعيف من كلام الدعاة الآخرين وتصرفاتهم ، فيلقدونه ، أو العكس ، يجدون منه الضجر الذي يزين لهم العمل مع هذا الداعية ، أو ترك العمل كله في شبه احتجاج، فكان من اللازم أن يتورع كل داعية في كلامه وأفعاله ، لئلا يقلده أو يضجر منه غيره ، فإن العيش الجماعي ما يساعد على هذا التقليد ، وإن الإرهاق ما يساعد على هذا الضجر.  إنما هو ترغيب وترهيب ومن تمام مهارة المربي في إسباغ رفقه على تلاميذه أن يمهر في ترغيبهم وترهيبم، فإن في الترغيب نوع رفق ظاهر، وليس هو الترهيب بأقل ، فإن الترهيب لا يكون إلا من شفقة على التلميذ وخوف أن يصل إلى المصير الرهيب.  وأما الترغيب بالجنة وبكل خلق حسن يؤدي إليها ، والترهيب من النار ومن كل خلق سوء يوقع فيها ، فهو الترغيب والترهيب في صورته العادية التي يسبق إليها الذهن ، وقد أكثر الله ورسوله من مخاطبة الناس بذلك.  ولكن وجه آخر فيه نوع من خفاء أشار إليه الفقهاء القدماء من الترغيب والترهيب ، وهو أسلوب الترهيب من التقصير بذكر النموذج الإيماني ، واستمداد ترغيب بذكر نماذج الانحراف البالغة السوء التي لابد أن يكون المخاطب أحسن حالا منها.  وكيفية ذلك أن يقلد المربي القرآن ، فيعرض صورا نموذجية عالية من أفعال الخير الإيمانية ، كي يقيس التلميذ نفسه بها دائماً ، فيتضح له ما هو فيه من التقصير ، فترهبه المنزلة الواطئة المتأخرة ، فيشمر للارتقاء ويعرض المربي صورا من الإفراط في السوء والشر والغفلة وتحكيم الهوى وتفضيل حظوظ النفس ليشعر التلميذ إذ يربأ بنفسه عن مثلها أنه على بقية من خير ، فتأخذه عزة إيمانية ترغبه في رحمة الله . وبهذا التردد بين الرغبة والرهبة تدوم استقامته ، ويدوم تمييزه لموضعه من رضى الله سبحانه وسخطه ، بحسب البعد والقرب من أحد الطرفين، كي لا يسكن الى حالة هي مظنة الخوف لقربها من الطرف المذموم ، أو مظنة الرجاء لقربها من الطرف المحمود ، تربية حكيم خبير.  وقد روي في هذا المعنى عن أبي بكر الصديق في وصيته لعمر بن الخطاب عند موته حين قال له : ألم تر أنه نزلت آية الرخاء مع آية الشدة ، وآية الشدة مع آية الرخاء ، ليكون المؤمن راغبا راهبا ، فلا يرغب رغبة يتمنى فيها على الله ما ليس له ، ولا يرهب رهبة يلقي فيها بيده إلى التهلكة . أو لم تر يا عمر أن الله ذكر أهل النار بسيئ أعمالهم ، لانه رد عليهم ما كان لهم من حسن ، فإذا ذكرتهم قلت :إني أخشى أن أكون منهم ، وذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم لأنه تجاوز لهم عما كان لهم من سيء ، فإذا ذكرتهم قلت : إني مقصر ، أين عملي من أعمالهم ؟  . هذا ما نقل ، وهو معنى ما تقدم ، فإن صح فذاك ، وإلا فالمعنى صحيح يشهد له الاستقراء .  وقد روي : أولم تر يا عمر أن الله ذكر أهل النار بسيء أعمالهم لأنه رد عليهم ما كان لهم من حسن ، فيقول قائل : من أين أدرك درجتهم ؟ فيجتهد . والمعنى على هذه الرواية أيضاً يتنزل على المساق المذكور ، فإذا كان الأخيتين المنصوتين ، في محل مسكون عنه لفظا ، منبه عليه تحت نظر العقل ، ليأخذ كل على حسب اجتهاده ودقة نظره ، ويقع التوازن بحسب القرب من أحد الطرفين والبعد عن الآخر )فهذه الطريقة وجه ثاني للتخويف والترهيب بذكر آيات النار وأخلاق الكافرين والمنافقين ، ووجه ثان للتشويق والترغيب بذكر آيات الجنة وأخلاق المؤمنين . ويتضمن هذا الوجه الثاني كما رأينا استمداد نوع رهبة من التقصير وحياء عند ذكر أوصاف المؤمنين ، ونوع رجاء وشعور بالعزة عند ذكر أوصاوف الكفر والنفاق . وواضح أن هذا الأسلوب إنما يتبع مع من أسرف على نفسه وضمرت معاني الإيمان فيه . وهذا الوجه الثاني يعرف أهل التربية مناسبته لمن هم جدد في أول الطريق أيضاً ، إذا ربما ينسيهم الترهيب في الوجه الأول سعة رحمة الله الرحمن الرحيم خاف ذنوبه ، واعتراء اليأس ، وانغمس كلية في الآثام .فإذا كبا الناشيء ، فعليك أن تترفق معه ، وتبين له سبل التوبة ، وأن الله أفرح بتوبته من فرح من أضل ناقته في فلاة وعليها شرابه وطعامه ، ثم وجدها لشدة فرحه ، وجعل يقول في إظهار شكره لله : اللهم أنت عبدي وأنا ربك ، كما في الحديث الصحيح عند مسلم .  أوليات التربية التكاملية وحين تدفع بأخيك التلميذ الراتب الراهب إلي العمل التجميعي ، فاحرص على أن تصوغه الصياغة التي تراعي التكامل والانسجام وتوفير جميع الصفات التي يحتاجها كداعية . وفرله قسطاً إيمانياً كافياً ، وعلماً شرعياً أوليا ، وفقا لفنون الدعوة وقضايا العمل الجماعي ومبادئ الطاعة والأمور العاصمة من الفتن، ودراسة الناس وكيفية تخير العناصر الصالحة ، وإلا فإن الصياغة الجزئية المضطربة الناقصة توقعه في أخطاء ، أخطاء اختياره للعناصر،وأخطاء في تبليغها الدعوة حسب أهميتها ، وأخطاء في معاملته اليومية لهم. فإن لم تسارع إلى صياغته أنت فإنه سيصوغ نفسه باجتهاده . فإذا كانت فيه بذرة إيمانية : نراه يترك العمليات التجميعية وينصرف إلى نفسه معلما ومهذبا في انزواء ، فيكثر من صلاته وحفظه القرآن ، يلزم المساجد ، ويعكف على الكتب يقرأ منها الكثير ويستزيد، حتى يصطبغ بهذه الصبغة التعبدية العلمية الانزوائية، ويستأنس بها ، ولا يعود يحاول دعوة آخرين .  وفي المجتمعات التي يكثر فيها الزهد المبتدع وذكر الفناء ووحدة الوجود، أو يكثر فيها التناظر الفقهي الخشن. نرى مثل هذا الناشيء يجد له في الزهد المتطرف المبتدع أو التناظر باللسان السليط مادة لذيذة ينفس فيها ما في صدره ، فيسير مع دعاته مع بقاء حبه للدعاة الذين ربوه ، وبقي مأسورا إلى جانبين ، وقد تخطفه النزعة التطرفية . وقريب من هذا كثرة الولع بالرياضة وأخبارها ، أو صرف طاقته في الأسفار .وكل هذه الانحرافات قابلة لأن تستغل من قبل أصحاب الفتن استغلال واسعاً ، الفتن بمعناها العام لا فتن الخروج على سياسة الدعوة فحسب ، فيخرج في فتنة باسم الزهد يستغلها رجل خداع يعرف طرق الاستدراج ، أو فتن التناحر المذهبي الفقهي ، أو فتن الدنيا بمعناها الواسع وحصر الهمة في حيازة دار أو مركز مرموق ، وكم من جليس للدعاة يتقرب إلى الله بحثهم على الإسراع بحيازة دار والتملق للوصول إلى منصب وينسيهم الدعوة، ويظن نفسه ناصحاً أميناً .  ومن ها هنا وجب على المربي الداعية أن يبدأ بتكوين وعي شامل وعميق لدى تلميذه يعصمه من هذه المزالق والأخطاء  إنه وعي : شامل وعميق وعي عقائدي : يستقيم به على دروب السلف وعقيدة من يحرص على سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وجماعة الآخذين بها من الأوائل ويعصمه محدثات الأمور وبدع الاعتزال والتجهم والإرجاء ووحدة الوجود.  وعي فقهي : يحمله على تتبع النص الصحيح أنى وجده ، من غير ما سلاطة لسان على المقلدين ولا خشونة  ووعي سياسي : يبعده عن الكمين الذي ينصبه له العدو ، ويبصر به لوائح الخطر وإشاراته من على بعد، ويدله على أماكن الفرص وأوقاتها ليستغلها .  وأهم شعب هذا الوعي للناشيء : الوعي العقائدي، إذ يتضح في مجال العقيدة أثر نوع البداية واستمرارها حتى النهاية أكثر من اتضاحه في المجال الفقهي والسياسي . إنه لابد للداعية المربي من أن يبذر في قلوب إخوانه التوحيد الصافي البعيد عن البدع وتأويل النصوص الواضحة ، ولن يلتذ مسلم بعبادة أبدا ما دام توحيده مكدرا.  وما أحلى أن نتذكر في هذا المجال قول أبي الطيب المتنبي رحمه الله من أن :  ( صفاء العبادات لا ينال إلا بصفاء التوحيد) فإذا ذاق أخوك طعم التوحيد : انخلع عن دنياه ، وحلق في أعلى الأجواء ، وذلك ـ كما يقول ابن القيم في مدارج السالكين ـ: ( إن القلب إذا خلى من الاهتمام بالدنيا والتعلق بما فيها ، من مال أو رياسة ، وتعلق بالآخرة ، والقدوم على الله عز وجل ، فذلك أول فتوحه وتباشير فجره ، عند ذلك يتحرك قلبه لمعرفة ما يرضي به ربه منه ، فيفعله ويتقرب به إليه ، وما يسخطه منه ، فيتجنبه ، وهذا هو صدق عنوان إرادته ، فيفتح له باب الأنس بالخلوة والوحدة والأماكن الخالية التي تهدأ فيها الأصوات والحركات.  ثم يفتح له باب حلاوة العبادة بحيث يكاد يشبع منه . ثم يفتح له شهود عظمة الله المتكلم به وجلاله ، وكمال نعوته وصفاته وحكمته ، ومعاني خطابه ، بحيث يستغرق قلبه في ذلك حتى يغيب فيه ، ويحس بقلبه قد دخل في عالم آخر غير ما في الناس فيه .) فأول ما يلح فيه المربي أن يغرس في تلميذه معنى التوحيد الصافي وأن يثبت في قلبه دلائل وجود الله ، الدلائل الفطرية غير المصطنعة الفلسفية ، وأن يأخذه في سياحة ممتعة إلى الآيات المكية التي تدعو إلى هذا التأمل والتفكر ، وفي طائفة من الأحاديث الصحيحة التي تؤيد معاني هذه الآيات . ثم يعلمه أسماء الله الحسنى وكيفية التعبد بها ، وصفات الله تعالى تقتضيها هذه الأسماء ، فيدل على ما يجب أن يكون بقلبه من شواهد لكل اسم من هذه الأسماء ، كالذي يقتضيه اسم العلي من تواضع المؤمن ، وما يقتضه اسم الجبار والمنتقم والعظيم من عدل المؤمن وخوفه من الظلم والغرور والخيلاء .  فإذا دعا الجديد الناشئ وشارك في العملية التجميعية بهذه الصياغة المتينة فإنه سينقلب بإذن الله من نصر إلى نصر ، ومن توفيق إلى توفيق ، ونجاح إلى نجاح ، رابط الجأش لا يذهب بصبره نكوص الناكثين ، لا يحار جوابا أمام من خدعه المتطرفون ، آسرا للمقابل بظرفه ودماثته وفتوته وحلمه وجميل خلقه ومعاملته ، فهو الداعية الموفق الذي إذا مر نفذ، وإذا عزم تقدم ، وإذا بشر نجح ، وإذا استجيب له ربى ، وإذا ربى عصم ، يغدو في الدعوة ، ويروح إلى الدعوة .  إن هذه التربية التي تقول بوجوبها لمن نريد أن ندفعه إلى مباشرة دعوة مباشرة دعوة الناس هي التربية التي ربى الله تعالى عليها الأنبياء حين أراد لهم أن يصلحوا أمر الناس ، كما يقول عبد القادر الكيلاني ، وقبل ذلك التبليغ كانوا في تفكر وتحنث ، أي في فترة تربوية .  يقول رحمه اللهلايزال العارف أخرس اللسان بين يدي الحق عز وجل حتى يرده على مصالح الخلق ، فإذا رده إليهم رفع الكلال عن لسانه والعجمة عنه .  موسى عليه السلام لما كان يرعى الغنم كان في لسانه لكنة وعجلة وعجمة ووقفة ، فلما أراد الحق عز وجل أن يرده ألهمه حتى قال : واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي. كأنه يقول : لما كنت في البرية في رعي الغنم لم أحتج إلى هذا ، والآن قد جاء شغلي مع الخلق والكلام لهم ، فأعني بذهاب الكلال من لساني .)  يوسف عليه السلام لما خرج من الجب والسجن وصبر على تلك الشوائد وتمكن وصار الكل تحت يده قال لإخوته: ائتوني باهلكم أجمعين ، لما جاءه الغنى والملك وذهب القبض وجاء البسط . قبل ذلك كان أخرس في الجب والسجن ، فلما خرج جاءت الفصاحة .

الحرية
الاثنين, 13 مايو 2013 22:49

استيقظت فجر يوم من الأيام على صوت هرَّة تموء -المواء: صوت الهرة- بجانب فراشي وتتمسح بي، وتلح في ذلك إلحاحاً غريباً، فرابني أمرها، وأهمني همها، وقلت: لعلها جائعة، فنهضت وأحضرت لها طعاماً فعافته، وانصرفت عنه، فقلت: لعلها ظمآنة. فأرشدتها إلى الماء فلم تحفل به، وأنشأت تنظر إليَّ نظرات تنطق بما تشتمل عليها نفسي من الآلام والأحزان؛ فأثَّر في نفسي منظرها تأثيراً شديداً، حتى تمنيت أن لو كنتُ سليمانَ أفهم لغة الحيوان؛ لأعرف حاجتها، وأفرج كربتها، وكان باب الغرفة مُرْتَجاً -أي: مقفلاً- فرأيت أنها تطيل النظر إليه، وتلتصق بي كلما رأتني أتجه نحوه، فأدركت غرضها وعرفت أنها تريد أن أفتح لها الباب، فأسرعت بفتحه، فما وقع نظرها على الفضاء، ورأت وجه السماء، حتى استحالت حالتها من حزن وهمٍّ إلى غبطة وسرور، وانطلقت تعدو في سبيلها! فعدت إلى فراشي وأسلمت رأسي إلى يدي، وأنشأت أفكر في أمر هذه الهرة، وأعجب لشأنها وأقول: ليت شعري هل تفهم هذه الهرة معنى الحرية؛ فهي تحزن لفقدانها، وتفرح بلقياها؟ أجل، إنها تفهم معنى الحرية حق الفهم، وما كان حزنها وبكاؤها وإمساكها عن الطعام والشراب إلا من أجلها، وما كان تضرُّعها ورجاؤها وتمسحها وإلحاحها إلا سعياً وراء بلوغها. وهنا ذكرت أن كثيراً من أسرى الاستبداد من بني الإنسان لا يشعرون بما تشعر به الهرة المحبوسة في الغرفة، والوحش المعتقل في القفص، والطير المقصوص الجناح من ألم الأسر وشقائه، بل ربما كان بينهم من يفكر في وجهة الخلاص، أو يتلمس السبيل إلى النجاة مما هو فيه، بل ربما كان بينهم من يتمنى البقاء في هذا السجن، ويأنس به، ويتلذذ بآلامه وأسقامه. من أصعب المسائل التي يحار العقل البشري في حلها: أن يكون الحيوان الأعجم أوسع ميداناً في الحرية من الحيوان الناطق، فهل كان نطقُه شؤماً عليه وعلى سعادته؟ وهل يجمل به أن يتمنى الخرس والبله ليكون سعيداً بحريته؟! يحلق الطير في الجو، ويسبح السمك في البحر، ويهيم الوحش في الأودية والجبال، ويعيش الإنسان رهين المحبسين: (محبس نفسه، ومحبس حكومته) من المهد إلى اللحد، صنع الإنسان القوي للإنسان الضعيف سلاسل وأغلالاً، وسماها تارة ناموساً وأخرى قانوناً؛ ليظلمه باسم العدل، ويسلب منه جوهرة حريته باسم الناموس والنظام. صنع له هذه الآلة المخيفة، وتركه قلقاً حذراً مروع القلب، مرتعد الفرائص، يقيم من نفسه على نفسه حراساً تراقب حركات يديه، وخطوات رجليه، وحركات لسانه، وخطرات وهمه وخياله؛ لينجو من عقاب المستبد، ويتخلص من تعذيبه، فويل له ما أكثر جهله! وويح له ما أشد حمقه! وهل يوجد في الدنيا عذاب أكبر من العذاب الذي يعالجه؟ أو سجن أضيق من السجن الذي هو فيه؟ ليست جناية المستبد على أسيره أنه سلبه حريته، بل جنايته الكبرى عليه أنه أفسد عليه وجدانه، فأصبح لا يحزن لفقد تلك الحرية، ولا يذرف دمعة واحدة عليها، كان يأكل ويشرب كل ما تشتهيه نفسه وما يلتئم مع طبيعته، فحالوا بينه وبين ذلك، وملؤوا قلبه خوفاً من المرض أو الموت، وأبوا أن يأكل أو يشرب إلا كما يريد الطبيب، وأن يقوم أو يقعد أو يمشي أو يقف أو يتحرك أو يسكن إلا كما تقضي به قوانين العادات والمصطلحات، لا سبيل إلى السعادة في الحياة، إلا إذا عاش الإنسان فيها حرًّا مطلقاً، لا يسيطر على جسمه وعقله ونفسه ووجدانه وفكره مسيطر إلا أدب النفس. الحرية شمس يجب أن تشرق في كل نفس، فمن عاش محروماً منها عاش في ظلمة حالكة، يتصل أولها بظلمة الرحم، وآخرها بظلمة القبر. الحرية هي الحياة، ولولاها لكانت حياة الإنسان أشبه شيء بحياة اللُّعب المتحركة في أيدي الأطفال بحركة صناعية. ليست الحرية في تاريخ الإنسان حادثاً جديداً، أو طارئاً غريباً، وإنما هي فطرته التي فُطر عليها. إن الإنسان الذي يمدّ يديه لطلب الحرية ليس بمتسوِّل ولا مستجد، وإنما هو يطلب حقًّا من حقوقه التي سلبته إياها المطامع البشرية، فإن ظفر بها فلا منة لمخلوق عليه، ولا يد لأحد عنده.

للكاتب و المؤلف مصطفى لطفي المنفلوطي

يا طالب العلم
الاثنين, 13 مايو 2013 22:38

 

يا طالب العلم إن كنت تشكو من البلاهة في العلم فلا تبتأس إذا كان فيك بقية من تُقي! وإن منحك الله دقة في الفهم وحِذقاً في النظر فلا يستخفك الفرح إذا خلا قلبك من الورع! قال الذهبي: قاتل الله الذكاء بلا علم، ورضي الله عن البلاهة مع التقوى. يا طالب العلم: إذا لم يورثك علمك خشية الله فسيورثك نقيضها: رياء ونفاقاً! {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]. وإن لم يستبن لك الحال فتفقد نفسك في موطن الأمر والنهي! وحينها تقف على الحقيقة! يا طالب العلم: إن رمت العلم وحفظته فما بقي عليك إلا العمل! وإن استأخرت دونه، وقصرت بك همتك عن بلوغه، فيا الله ما أعظم مصيبتك بعلمك! وما أشد بليتك بنفسك! فتدبَّر أمرك، وحاسب نفسك، وإلا فعد إلى بيتك، وكن ناسكاً في محراب جدتك فهو خيرٌ لك مما أنت فيه! يا طالب العلم: اجعل لك ورداً من سير نجوم الهدى ومصابيح الدجى! لتقوى في موطن الضعف، وتضعف في موطن الكبر! واستعن بذلك على إلجام نفسك والمطامنة من كبريائها: فإذا رأيت من نفسك نبوغاً في علم السنة فاقرأ في ترجمة البخاري! وإن رأيت منها نظراً دقيقاً في الفقه فدونك سيرة الشافعي! وإذا أوحت إليك نفسك ببلوغ القمة في الأصول والمقاصد فدونك الشاطبي! وإن ظننت يوماً إنك نلت العلوم وحُزت الفنون! فلا تنس قول الشافعي في أحمد بن حنبل: أحمد إمامٌ في ثمان خصال: إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في اللغة، إمام في القرآن، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السنَّة!

وإن خادعتك نفسك بأنك معرض عن الدنيا وزاهدٌ فيها فاقرأ في سيرة إبراهيم الحربي! وإن توهمت أنك ممسكٌ بناصية الورع فتأمل حياة أيوب وابن سيرين، والحسن البصري! يا طالب العلم: إن كان يخفق قلبك فرحاً عند إبانتك لغامض مسألة، أو كشفك لعويصها، وما يخفق عند سماع النداء للصلاة! فثق أنه ليس لك حاسد! وما مثلك مغبوط! ففتش في خبايا نفسك وستجد مكنون السر فيها! يا طالب العلم: اخفض جناح الذل لإخوانك، وكن رفيقاً بهم، واحذر الجفاء والجلافة! وإياك وغمط الناس ورد الحق! واحترس من داء التعالم والعُجب! فإنه داء دقيق المسلك، سريع النفوذ! وأشد ما يكون نفوذاً حال اللجاج والحِجاج! يا طالب العلم: كن كثير الرماد، كريم المعشر، باسم الثنايا! وإذا علِمت يوم الطلب أن من أسباب دخول الجنة إطعام الطعام فما بالك اليوم تضيق ذرعاً بزوارك وطلابك ؟! يأتي أحدهم إليك مستفتياً أو مستشيراً فتقف في الباب معترضاً! خشية أن يتسلل إلى بيتك فينعم بظلك، أو يشرب من ماءك! وإن اعتذرت بضيق الوقت والحرص عليه، فاعلم أن ما تقضيه في نفع أخيك خيرٌ لك من كثير مما تشتغل به! يا طالب العلم: الوقت يمر مرَّ البرق، وصوارف الحق تعرض كل حين، ولا مخرج لك من كل هذا إلا حبل الله المتين، فتشبث به، واشدد يديك عليه، وأعلم أن رأس مال العمل هو الإخلاص، فإن اخطأت طريقه فلا تلم إلا نفسك إن تخطفتك طيور الهوى، أو هوت بك رياح الشهوات في مكان سحيق. ختاماً، يا طالب العلم: الطريق مخوف، ولسالكه ثمناً يدفعه من ماله وجسده، ودون الغاية صوارف وقواطع، ولكن في آخره جنة مستطابة، وسعادة دائمة، فتوكل على الله، وامض في طريقك، واجعل حداءك: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: من الآية 69].

للكاتب الشيخ خالد بن عبد العزيز أبا الخليل

 

ونشتاق إليك يا رسول الله
الاثنين, 06 مايو 2013 20:06

 

المجلس النبوي الطاهر يضم النبي صلى الله عليه وسلم ونجوم طيبة الزّاهرة، تلك الكواكب الدرّية، الهادية المهدية، تحيط بنبيّها الحبيب، وقد حظيت برؤية وجهه الوضّاء، وشرفت بصحبته في السّلم والحرب، ونشطت لطاعته في السرّاء والضرّاء، مجلس تلألأ فيه نور النبوّة وأفاض على الدنيا هدى ورحمة وإشفاقا، وأشرقت فيه الوجوه الطيّبة بالطاعة والرضى والتسليم، ورقّت فيه قلوب معدنها البرّ، وجلاؤها اليقين، قلوب صحابة رسول الله الذين قال فيهم حبيبهم صلى الله عليه وسلّم: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»(صحيح البخاري: [3673]).

وأنّى لنا يارسول الله؟ ان نبلغ مدّهم، وعملهم وجهادهم، وافتداؤهم إياك، وإتّباعهم سنّتك اتباع المحبّ الموقّر المعظّم الطامع برضى الله وجنّته وصحبة نبيّه فيها؟

قوم ما أظلت السماء مثلهم أقمارًا، ولا حملت الأرض مثلهم أطهارًا، يحبّون نبيّهم حبّا لا تصفه الأقلام، ولا يبدّلون هذا الحب بمال ولا ولد ولانفس تحملها الضلوع، ويحبّهم نبيّهم ويحرص عليهم ولا من بعدهم بشهادة ربّ العالمين في كتابه الكريم: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة:128].

يسيرون يوما مع نبيّهم يزورون أصحابًا لهم سبقوهم بالشهادة أو قضوا نحبهم غير مغيّرين ولا مبدّلين، ويسمعون رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  لمّا أتى الْمَقْبُرَةَ يقول: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحِقُونَ. وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا». قَالُوا: " أَوَ لَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟" قَالَ: «أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ». فَقَالُوا: " كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟" فَقَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، أَلا يَعْرِفُ خَيْلَهُ ؟» قَالُوا: "بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ". قَالَ: «فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، أَلا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، أُنَادِيهِمْ: أَلا هَلُمَّ، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا» (صحيح مسلم).

يودّ حبيب الله أن لو رأى إخوانه، أولئك الذين يشتاق إليهم، ولم يراهم ولم يصحبوه، تعلّقت به قلوبهم، واتّبعوه على أمل اللقاء في ظلال الجنّات، يطمعون بالصحبة في رحابها وقد فاتتهم الصحبة في الدنيا، ويرجون الشفاعة، فيسألون الله له الوسيلة، والفضيلة، والدرجة العالية الرّفيعة، لينالوا بها شفاعة الحبيب.

يشتاق إليهم ويخبر أصحابه بأنّه يعرفهم، يعرفنا نحن الذين لم نجتمع معه، ولم نجاهد معه، ولم نسر معه في هجير مكة، ولم نبايعه بيعة الرضوان، ولم نعش معه رهبة ليالي الخندق، لم نكن مع آل ياسر في العذاب، ولم تصهر عظامنا بالصخرة الثقيلة كما حدث لبلال مؤذن رسول الله، ولم ننحر فداء لدين الله كما نحرت سمية الطاهرة، ولم نركب البحر إلى الحبشة، ولم نطو البيداء مهاجرين إلى يثرب، ولم نقتسم أموالنا مع المهاجرين، ولكنّه مع ذلك يشتاق إلينا، ونحن والله إليه مشتاقون.

يودّ لو أنّه يرانا ،ويسمّينا إخوانه،«وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا».،فيسأله الصحابة عليهم رضوان الله: "أو لسنا إخوانك يارسول الله؟"، ويأتي الجواب الرفيق:«أَنْتُمْ أَصْحَابِي».

أجل هم أصحابه وهم الذين نالوا شرف الأخوة والصحبة، ولكنّه النبيّ المحب لأمته، يحبّهم ويؤاخيهم ويحب أن يبلغ ذلك الحب أسماع أولهم وآخرهم، وأن يلامس ذلك الودّ الصادق قلوب أوّلهم وآخرهم، فيصبح اتّباعهم له أعظم، واقتداؤهم به أدوم، ورغبتهم بالورود على حوضه أشدّ، فيصفهم لأصحابه، مؤكّدا أنه يعرفهم يوم يردون عليه، ليشربوا من يده الشريفة شربة لا يظمأون بعدها أبدا، ويحرصون على ألّا يبعدهم العصيان عن حوضه، وألّا تكون مخالفة هديه سبب افتراقهم عنه يوم القيامة، فيتّبعون سنّته اتباع المحبّ، ويرجون لقاءه لقاء المشتاق.

نشتاق إليك يا نبي الله، ونرجو الله ألّا يبعدنا عن حوضك وأن يجعلنا رفقاءك في الجنّة، يامن آخيتنا ولم ترنا والله لقد أحببناك ولم نراك.

وتظل ّ فينا يا حبيب الله نورا للهداية والصلاح، وتظلّ سنّتك الرشيدة في زمان الغيّ مشكاة الفلاح، ونحنّ كالجذع الذي لفراق أحمد فاض دمعًا واشتكى، ونحنّ حين نمرّ ركبا للمدينة ساريًا، فهنا نما غرس الرسول هنا زكا، ونطوف أنحاء المدينة في جوانحنا حنينن، تتعلق الدمعات بالأهداب حرّى، حين نذكر مجلس الهادي الأمين، وعلى بساط الرّوضة العصماء نسجد للذي بعث المشفّع شاكرين، ونظلّ نرجو ربّنا ألّا نردّ مع العصاة الخائبين، ونظل نرجو أن نكون من الذين يودّ رؤيتهم نبيّ العالمين.

اللهم إجز سيدنا محمد عن أمته خير الجزاء.

الداعية رقية القضاة .. نقلا عن موقع طريق الإسلام.

 

ألوان: إشراقة الصباح
الأربعاء, 01 مايو 2013 13:16

ليس من وقت أطهر نفسا وأكثر هدوءا وأشد إشراقا من لحظات الصبح إذ يتنفس، حين يشرق الكون وحالات البشر ومقاماتهم في تفاوت.. جسد أقرب إلى الموت ، روح تروم السمو ، نفس طيبة ، وأخرى اجتثت من الأرض.. نوم وقيام، وهمس وإعلان ، وبوح ودعاء.. وفريق في النعيم، وآخر ينتظر... يتنفس الصبح وعوالم الناس الناعسة تتمدد في انتظار شمس غربت أمس وتركتهم هناك، وستفاجئهم ببزوغها لتغرب من جديد! في مشهد متكرر ينخر نفسه بنفسه في كل يوم، إلا من رحم ربك، وقليل ما هم... وحده ذلك القائم هناك يدرك اللحظة ويعيش الآن.. ينظر ألوان السماء وهي تتداخل وتتبدل في حيوية وحب وحياة، ويرقب الأفق الممتد وشرقه لا كغربه في ضيائه وسنائه، ويشهد النجم إذ هوى والبدر حين غبر، فيعلم أنما هو الفجر والنهار ثم زوال وغروب، فيـَــعي...

وليس شأن الواعي حينئذ إلا أن يشمر عن الساعد ويستجمع الزاد وينطلق في طريق البناء.. قامة سامقة تشرق بالأنوار فتهدي من تنكّب السبيل، وتشرق عليها الشمس فيتفيأ الكون ظلالا وارفة تنفع كل حين.. ثم هو المسير لا الوقوف، والبذل لا الكل، والنداء لا الصمت، والتعب لا القعود.. في طريق غايته لا تدركها الأبصار، واتجاهه لا يتغير بدوران الشمس.. طريق.. سهل ممتنع، شاهق ومنيع، غير أن بياضه يغلب سواده وحمرته تسبق خضرته..

<< البداية < السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالي > النهاية >>

تلاوات خاشعة

تابعوانا


Face FanBox or LikeBox

بحث